عبد الملك الجويني

123

الشامل في أصول الدين

ثم قال : من انتظر تركب بناء محكم متقن ، وتشكله على هيئات مخصوصة من غير بان ومخصص ، كان عن المعقول خارجا ، وفي الجهل والجا ، فهذا معنى كلامه ، وقد ذكر القاضي رحمه اللّه فصولا في « الشرح » ، رأينا تأخيرها والاجتزاء بذكر المذهب فيها ، وإحالة استقصاء الأدلة فيها على مواضعها . فمما أشار إليه : الخلق والمخلوق ومعناهما ، وسيأتي ذلك في خلق الأفعال إن شاء اللّه . ثم أشار إلى جمل من أحكام القدر يستند كلام شيخنا إليها : منها إيضاح القول في أن القدرة الحادثة تقارن مقدورها ، ومنها التعرض لوقوع العجز في حكم الاقتران موقع القدرة . فلا عجز إلا مقارن للمعجوز عنه . وتفصيل ذلك يأتي في أحكام القدر إن شاء اللّه تعالى . وما ذكره تفصيل القول فيما يصح أن يكون مقدورا للأجسام ، وفيما لا يصح كونه مقدورا . وذكر أيضا أن ما صح كونه مقدورا ، فلا يخلو الحيّ عن القدرة عليه أو عن ضد من أضداد القدرة عليه . وأضداد القدرة : العجز ، أو القدرة على ضد ذلك المقدور . وذكر أيضا استحالة قيام القدرة أو العجز بالحيّ الذي لا آفة به تمنعه من العلم مع عدم علمه بالذي قام به . فهذا جملة ما أشار إليه ، ولا بد من جميعها في تقدير ما قاله شيخنا . ووجه تحريرها ما قاله شيخنا ردا إلى هذه الأصول أن نقول : العاقل غير قادر على نقل نفسه ، وليس ذلك من قبيل مقدوره ، إذ لو كان من قبيل مقدوره ، لما خلا عن القدرة عليه أو عن ضد القدرة . ولو اتصف بضد القدرة لعلمه من نفسه ، كما يعلم المرتعش عجزه عن رعشته ، والعاقل ليس يحس من نفسه قدرة على النقل ولا عجزا عنه ، ثم يتوصل بذلك إلى نفي النقل في أحوال النطفة ، إذ لو كان ذلك مقدورا ، لتعلقت القدرة أيضا بأحوال الكبر ، فإنها أضدادها ، وكل من كان شيء مقدور له ، كانت أضداده الخاصة مقدورة له . ثم إن القاضي رضي اللّه عنه لما أشار إلى هذه الفصول ، وذكر لمعا من أدلتها ، انعطف بالرد على القائلين بالطبائع . والكلام في الطبائع ينقسم : فمنه ما يتعلق بنفي الطبيعة القديمة ، وقد قدمنا في ذلك كلاما مقنعا ، ومنه ما يتعلق بنفي أصل الطبائع ، وهذا يرتبط بالتولد وسنستقصيه في بابه . ومما أشار إليه في خلل الكلام الرد على من قال : الأوقات تؤثر في الحوادث وتخصصها بصفاتها . والكلام في ذلك يتنوع ، فيتعلق ضرب منه ببيان الأوقات والساعات ، وسنعقد في ذلك بابا ، إن شاء اللّه . والضرب الثاني يتعلق بمنع كون الوقت مؤثرا ، والسبيل فيه كالسبيل في منع تأثير الطبائع والأنجم والفلك . فهذه جمل ذكرها القاضي رضي اللّه عنه وبسط القول في بعض أطراف الكلام ، فلم نر استقصاء الأدلة ولا الاجتزاء بذكر أطرافها .